ظلت تراودني لبعض الوقت، بل وتلح علي، فكرة طاغية تتمثل في فتح نافذة ثقافية نطل من خلالها على تاريخنا الأدبي، وعلى الحركة الفكرية التي تأثر بها أبناء جيلنا بوجه خاص، وتجاوبوا وتفاعلوا معها بأشكال مختلفة، خاصة وأنها لونت حياتهم ونهجهم المستقبلي، وصاغت لهم ثوابت مثلت ثقلاً مميزاً من مبادئهم وفلسفتهم السياسية وعمودهم الأخلاقي الذي يسترشدون به في مسارهم.
أشرع في كتابة هذه "الذكريات الأدبية" مواصلة لما سبق لي من كتابات حول بعض الموضوعات الثقافية تحت عنوان "الأناشيد القديمة"، والتي سرني أن وجدت تجاوباً جيداً، وجذبت مساهمات ثرية شارك فيها كتاب كثر، فكانت بذلك دوحة ظليلة للثقافة والأدب وللشعر على وجه الخصوص.
من خلال "الذكريات الأدبية" آمل أن ينفذ أبناء جيلنا إلى غور سنوات العمر الزاهية، لكي نستبين معاً مكونات ذلك التاريخ النابض بالحيوية، والحافل بالبهاء والإشراق، والعامر بحب الإنسان والأوطان، والمتلفح بالثورة والتحدي، وعزيمة الشباب وطموحه الجامح. كما آمل أن تزداد نافذتنا ثراء بتجاوب الأبناء الشباب، بعرض فكرهم المتجدد ورؤاهم وتجاربهم الحديثة، وبتقويمهم وتناولهم النقدي لمسار الحركة الثقافية التي عاصرها جيل الاستقلال - إن جاز لنا استخدام هذه الأيقونة في الإشارة لجيلنا.
إن الفترة التي حققت فيها بلادنا الاستقلال، وتوجت فيها نضالات شعوب العالم الثالث بانتصارات باهرة على طريق الحرية والسيادة الوطنية، هي فترة مفصلية في التاريخ؛ إذ أنها شهدت تحولات عظمى ، مثل تلك التي دائماً ما تصاحب الثورات الكبرى. فعلى الساحة الثقافية شهدت تلك الفترة مولد فكر جديد، وبلورة أنماط أدبية ذات قدرة أكبر على التعبير عن الحرية والثورة وغيرها من القيم الإنسانية السامية.
ارتبط الشباب السوداني من جيل الاستقلال بتلك الآفاق الجديدة، وشغف بحركة الفكر والإبداع، وانبهر لأن يرى ألف زهرة تتفتح. لذلك ظل ينهل من ينابيع الثقافة وما تبعث به المطابع ودور النشر في مصر ولبنان ولا يكاد يرتوي. وكانت منابر الجمعيات الأدبية في الجامعة والمدارس الثانوية تمور بحراك ثقافي حيوي، سماته البارزة هي فورة نهج التجديد المنعتق من أسر التقليد في المضامين وفي صيغ التعبير كليهما؛ وظهور جيل من الأدباء السودانيين المجددين والمبدعين، بدأت كتاباتهم تغمر الصحف.. بل وصدرت لهم العديد من المؤلفات والدواوين الشعرية التي تعبر عن الروح الجديدة، وتعكس أجواء تلك المرحلة المفصلية في تاريخنا الأدبي.
أنطلق من هذه المقدمة لكي أوجه الدعوة للمهتمين بشئون الأدب والثقافة، وجميع من يرغب، للمشاركة في هذه "الذكريات الأدبية" بسرد تجاربهم وانطباعاتهم ذات الصلة بالقضايا الثقافية، بعرضهم لكتب أو دواوين شعر أعجبتهم وتأثروا بها، أو تقديمهم لكتاب وشعراء أحبوا كتاباتهم وتذوقوا شعرهم، ويرغبون في مشاركة الآخرين لهم في التحليق في سماواتهم والرشف من ينابيع إبداعاتهم.
بإيجاز أريد لـ "الذكريات الأدبية" أن تكون حديقة يانعة نستفيء ظل دوحها الوارف، ونشبع نفوسنا من ثمارها وقطوفها ، ونبني من فروع أغصانها أسساً وركائز لنهضة ثقافية حية .
ذكريات مع الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي
أحمد عبد المعطي حجازي
*****
ليس هدفي الكتابة عن الشاعر احمد عبد المعطي حجازي من منطلق التقويم والنقد الأدبي؛ وقطعاً لا أكتب تعريفاً به ، إذ أن شهرته الذائعة بين الشعراء العرب المعاصرين من رواد التجديد، ومكانته الأكاديمية كأستاذ للأدب العربي في جامعة باريس، ودواوينه الشعرية المتعددة، كلها تغنيني عن ذلك.
لذا سوف أتجه بالكتابة إلى منحى آخر، ألا وهو تناول أحمد عبد المعطي حجازي الصديق.. مع تقديم خلفية للظروف التي نشأت فيها تلك الصداقة التي أعتز بها، واستعادة بعض الذكريات الأدبية العذبة معه، وهي ذكريات معتقة تأسست في فترة زمنية تكاد تقارب نصف القرن.
لقد جمعت بيننا سنوات العمر المتقاربة؛ حيث لم نبعد كثيراً آنذاك عن عامنا السادس عشر! والإشارة هنا إلى قصيدته الرائعة "العام السادس عشر"، عام التهويمات مع الشعراء الرومانسيين، والشرود، والحب الذي لم يتم!
كنت أهوى هؤلاء الشعراء
أرتوي من دمعهم كل مساء
أتغنى معهم بالمستحيل
و بألوان الذبول
و بأوراق الخريف
و هي تعدو في يد الريح إلى غور مخيف
.....
و أرى الحبّ ... شرودا ، و تهاويم ، و حزنا
و المحبّ الحقّ .. من يهوى و يفنى
و عميق الحبّ ... حبّ لم يتم
ليقولوا .. يا للحن لم يتم !
....
أيضاً جمع بيننا الاهتمام بالأدب وبالشعر على وجه الخصوص، كما جمعت بيننا المبادئ والقيم الإنسانية المشتركة. ومما خلق مناخاً مواتياً لازدهار تلك الصداقة أنني قبل أن ألتقي بحجازي كنت قد تعرفت عليه من خلال ديوان شعره الأول" مدينة بلا قلب" الذي صدر في عام 1959م، أي قبل لقائنا الأول بثلاثة أعوام.. وكنت أكاد أكون حافظاً لمعظم قصائد الديوان عن ظهر قلب.. وكان ذلك مصدر اندهاش وإعجاب الصديق حجازي.. فلقد كانت تستهوينا في تلك السنوات - وكنت حينها طالباً بجامعة الخرطوم- بل وتبهرنا قصائد هؤلاء الشعراء من رواد الحداثة من أبناء المدرسة الواقعية أمثال حجازي (مدينة بلا قلب)، وجيلي عبد الرحمن وتاج السر الحسن (قصائد من السودان) ، وصلاح عبد الصبور (الناس في بلادي)، وعبد الوهاب البياتي (أباريق مهشمة). كذلك طربنا لقصيدة عبد الرحمن الشرقاوي الشهيرة "من أب مصري إلى الرئيس ترومان"، التي كتبها في مطلع الخمسينات.
كنت فخوراً بصداقة ذلك الإنسان القروي النقي البسيط ..الذي يقدس الصداقة .. والمتأمل في قصائده يلحظ أن الكثير منها يبدأ بعبارات "يا أصدقاء" أو "أصدقائي" مثل:
أصدقائي !
و:
يا أصدقاء
لشد ما أخشى نهاية الطريق
و شد ما أخشى تحية المساء
إلى اللقاء..
و:
يا أصدقاء
يا أيها الأحياء تحت حائط أصم
يا جذوة في الليل لم تنم
و:
يا أصدقائي أقبلوا
بابي لكم قلبي ادخلوه
جعل حجازي من قسوة المدينة وفردية العلاقات فيها محوراً لديوان شعره الأول.. جاء التعبير عن رفضه للمدينة في قصائد عديدة .. لمن يكتب حجازي؟ رد هو على ذلك:
"كلماتي لكائنات مملكة الليل: الصعاليك والمهمشين وأولئك الذين انكسرت قلوبهم".
.. فلنتأمل هذه الأبيات من قصيدة "سلة ليمون": لنرى عمق ذلك الرفض ومدى تعاطفه مع أبناء الريف الذين تسحقهم المدينة:
مسكين !
لا أحد يشمّك يا ليمون !
و الشمس تجفف ظلّك يا ليمون !
و الولد الأسمر يجري ، لا يلحق بالسيّارات
عشرون بقرش
ومن قصيدة "الطريق إلى السيدة:
وسرْت يا ليل المدينة
أرقرق الآهَ الحزينة
أَجرّ ساقي المجهدة
للسيدة
بلا نقود ، جائع حتى العياءْ
بلا رفيق
كأنني طفل رمته خاطئة
فلم يعره العابرون في الطريقْ
حتى الرثاء!
وقد بلغ به الرفض للمدينة شأواً بعيداً، حيث جاءت هذه النعوت القاسية للقاهرة في تلك القصيدة (وإن كان قد تصالح معها لاحقاً كما سنرى):
يا قاهرة!
أيا قبابا متخمات قاعدة
يا مئذنات ملحدة
يا كافرة
أنا هنا لا شيءَ، كالموتى، كرؤيا عابرة
أجرّ ساقي المجهدة
للسيدة!
للسيدة!
ومن قصيدة "مقتل صبي" :
وأقبلتْ ذبابة خضراءْ
جاءت من المقابرِ الريفية الحزينة
ولَوَلَبَتْ جناحها علي صبيٌي مات في المدينة
وما بكت عليه عين
الصحافي أحمد طيفور كان مدخلي للتعرف على حجازي
نيو سلكت هوم ، ذلك هو اسم الفندق الصغير (البنسيون) الذي كنت أقيم فيه بالقاهرة، وهو يقع على شارع جانبي متفرع من شارع قصر النيل وبالقرب من تمثال مصطفى كامل.. لذلك كنت أتزود يومياً بقراءة عبارات ذلك الرائد من رواد الوطنية المصرية المكتوبة على جنبات قاعدة التمثال من الجهات الأربعة ؛ ومن بينها "لا يأس مع الحياة .. ولا حياة مع اليأس" و “إن من يسامح في حقوق بلاده ولو مرة واحدة يبقى أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان".
زاملني في فترة إقامتي بالفندق شاب سوداني اسمه أحمد طيفور ، كان مبعوثاً من مشروع الجزيرة لدراسة فرز الأقطان في معهد القطن العالي بالإسكندرية؛ وكنت قد تعرفت عليه بواسطة الأستاذ يوسف شبور زميله في المعهد. كان اهتمام أحمد طيفور (عليه رحمة الله) بالأدب وبالصحافة أكبر من اهتمامه بفرز الأقطان -موضوع دراسته الأصلي.. لذلك كان يقضي جل وقته في القاهرة مع أصدقائه العديدين من الأدباء والصحفيين المصريين. ولأن الأدب والصحافة أكثر توافقاً مع ميوله ورغباته، فقد ترك العمل أخيراً بمشروع الجزيرة ليتفرغ للصحافة التي بدأ يعتلي درجات سلمها بخطوات سريعة وواثقة، حتى أصبح له بروز ملحوظ بفضل نهجه في الكتابة الصحفية وأسلوبه ذي الطابع الجذاب والنكهة الخاصة، التي ربما يذكرها قراء جريدة "21 أكتوبر" التي كان يحررها في منتصف عقد الستينات الصحفي الوطني الجسور والوزير الأكتوبري الثائر الأستاذ/ صالح محمود إسماعيل؛ وكان احمد طيفور أيضاً يكتب في جريدة "الأخبار".
عرفني أحمد طيفور على الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، الذي كان يعمل حينها في دار روزاليوسف. وظللت طوال فترة إجازتي بالقاهرة أسعد باللقاء مع حجازي وأحمد طيفور بشكل شبه يومي. كان حجازي حينها في بداية السلم الصحفي ، يحرر - هو وصديقه صلاح عبد الصبور- باباً في مجلة صباح الخير اسمه "عصير الكتب"..
صلاح عبد الصبور
كانت لقاءاتنا تبدأ في فندقنا المتواضع "نيو سلكت هوم" .. نحتفي باللقاء، ونتناول بالتعليق بعض الأخبار والأحداث الثقافية.. وبعد أن نرشف فناجين القهوة نذهب إلى تناول وجبة العشاء؛ ولعل هذه عبارة مضللة لأنها قد توحي للقارئ بالموائد العامرة الحافلة بشهي الطعام وما لذ وطاب! بينما العبارة الملائمة هي تناول الفول والفلافل بمطعم "القط الدمياطي" بباب اللوق ! كان الجرسون فتحي يهتم بنا اهتماما خاصاً، لعل مرجعه إلى مواظبتنا .. وربما تكون قد أعجبته الصداقة القائمة بين شباب الوادي.. كنا بدورنا نحب فتحي ونبادله القفشات والأحاديث الودودة. أحيانا نقوم (أحمد طيفور وأنا) بزيارة حجازي في شقته الصغيرة ذات الغرفة الواحدة، والتي من أبرز معالمها أكوام الكتب والمجلات والصحف التي تغطي الأرفف والمقاعد والأرضيات.. عند حضورنا يبدأ حجازي بالاعتذار ويعمل على لم الكتب على عجل ليوفر لنا مكاناً نجلس عليه!
القاهرة مدينة لا تنام
كنا لا نريد للأنس المحبب أن ينقطع.. حيث كنا نقبل بشهية لا تحدها حدود للحوار حول مختلف الموضوعات السياسية والفكرية والأدبية، والحديث عن الثورة والوطنية والشعر.. في كل ليلة نبدأ من حيث انتهينا في الليلة السابقة، أو نطرق موضوعاً جديداً، فلم تكن لتلك اللقاءات الصدوقة والعفوية قيود أو بروتوكولات خاصة.
اكتشفنا بسرور عظيم مكاناً مناسباً يتيح لنا وقتاً غير محدود لمواصلة اللقاءات - بل سمها الندوات –ألا وهو بهو فندق هيلتون النيل والذي كان قد افتتح حديثاً في تلك السنوات. لذا فقد أصبح هو مكاننا الأثير الذي نقصده ، ونأتي إليه رجالاً من باب اللوق حيث "القط الدمياطي"! بالطبع لم تكن لدينا المقدرة المالية على طلب أي من الأطباق الشهية التي يحفل بها مطعم وكافتيريا هيلتون النيل.. لذا كنا نكتفي بالحد الأدنى ، كوب من الشاي أو القهوة يبرر لنا البقاء في بهو الهيلتون حتى يدركنا الصباح، ونسكت عن الكلام المباح! وبالطبع كنا غرباء وسط أجواء الخمس نجوم!
لقاء مع حجازي في الخرطوم
بعد تلك الفترة الخصبة التي سعدت فيها بمعرفة ذلك الإنسان والشاعر المبدع، التقيت به مرة أخرى بعد مضي ربع قرن من ذلك الزمان الذي بدأ فيه تعارفنا..وكان مكان ذلك اللقاء نادي أساتذة جامعة الخرطوم، وسط مناخ الحيوية والتفاؤل في ظل أجواء انتفاضة أبريل 1985م.. كان حجازي سعيداً بمشاركة أصدقائه السودانيين استبشارهم بالعهد الجديد، ومعايشته تطلعاتهم التي يعلقونها على المستقبل.. قرأ قصائد وطنية وثورية طرب لها المشاركون في تلك الأمسية الشعرية.. وكنت في غاية البشر وأنا استقبل صديقي في الخرطوم، وأستعيد الذكريات العذبة معه.
أتاحت لي تلك المناسبة التواصل - الذي انقطع من جانبي - مع مسيرة حجازي الشعرية ؛ حيث لم أكن ولظروف متعددة متابعاً لدواوينه الحديثة بنفس مستوى متابعتي وتذوقي لديوانه الأول "مدينة بلا قلب"؛ حيث صدرت له بعده دواوين "أوراس" و "لم يبق إلا الاعتراف" و "مرثية العمر الجميل" و "كائنات مملكة الليل" و "أشجار الأسمنت".
لقاء مع حجازي بمسقط
مرة ثالثة أسعدتني الظروف بأن ألتقي بالشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي في النادي الثقافي بمسقط ، عندما أتى إليها مشاركاً في المهرجان الأدبي الذي ظلت عمان تحرص على تنظيمه.. كان ذلك في نهاية عقد التسعينات.. وشارك في المهرجان: نزار قباني- و عبد الوهاب البياتي- و سعاد الصباح- و عبد الله البردوني، إلى جانب عدد من الشعراء الخليجيين والعمانيين.
تألق حجازي وهو يقرأ أشعاره الهادفة.. طربت وغمرني الشعور بالزهو وأنا أرى صديقي القديم وهوقد اعتلى صهوة المجد، وتربع على مكانة سامقة بين الشعراء العرب.. ومرة أخرى أتاحت لنا تلك الأمسية الاستمتاع باستعادة الذكريات العذبة بالقدر الذي سمحت به ارتباطاته المنظمة بدقة مراسمية عالية.
خلاف مع الصديق حجازي حول قصيدته الرائعة "دفاع عن الكلمة":
قصيدة "دفاع عن الكلمة" هي من أروع ما تضمنه ديوان الشاعر حجازي الأول "مدينة بلا قلب" (1959م)؛ ذلك لأنها ترتقي إلى القمة من حيث تماسكها الفني وموسيقاها ومعانيها الإنسانية السامية المؤثرة؛ وقد كتبها حجازي في عام 1958م، وكان في الثالثة والعشرين من عمره، مما يدل على موهبته الأدبية المبكرة..دعونا نتأمل هذه الأبيات لنرى كيف أن القصيدة تمثل ميثاق شرف متكامل للكتاب والشعراء في كل العصور:
أنا في صف المؤمن من أي ديانة
أنا في صف التائب
مهما كان الذنب عظيما
فطريق الكلمة محفوف بالشهوات
والقابض في هذا العصر
علي كلمته
كالممسك بالجمرة
إلى أن يقول:
لكنا نحن الفرسان الجوعى
نقلنا للصديق حجازي مدى الإعجاب والاحتفاء الذي قابل به الشباب السودانيون من المهتمين بالأدب تلك القصيدة، وكيف ازدانت بها صحفنا الجدارية في جامعة الخرطوم، وكم ظللنا نردد أبياتها في مناسباتنا المختلفة. كذلك وجهنا له (أحمد طيفور وأنا) ملاحظة حول بعض الأبيات في مطلع القصيدة والتي ربما تحمل افتخاراً زائدا بالنفس بما يشبه الغرور! وتشتمل على عبارات قاسية موجهة لمن عرفوا ألخوف، وباعوا ألكلمة، وخانوا زملاءهم، ونافقوا!! كما جاء في الأبيات التالية؛ فمن هم هؤلاء؟
أنا أصغر فرسان الكلمة
لكني سوف أزاحم من علمني لعب السيف
من علمني تلوين الحرف
لن يأخذني الخوف
فأنا الأصغر, لم أعرف بعد
مصاحبة الأمراء
لم أتعلم خلق الندماء
لم أبع الكلمة بالذهب اللألاء
ما جردت السيف علي أصحابي
فرسان الكلمة
لم أخلع لقب الفارس يوما
فوق أمير أبكم!
تحاورنا كثيراً حول القصيدة؛ ووافقنا الصديق حجازي على وجاهة ما أبديناه من ملاحظة ومن تساؤل؛ لأن بعض جوانب القصيدة تبدو بالفعل غير مفهومة لمن لم يكن ملماً بخلفياتها.. وتفضل حجازي بشرح خلفياتها – وليته لم يفعل – فقد كانت الخلفيات بمثابة صدمة كبيرة، بل وفجيعة لم أحتملها..فقد نقل لنا حجازي أن المخاطب الذي يعنيه بهذه الأبيات هو الكاتب والشاعر الكبير عبد الرحمن الشرقاوي! وسبب الصدمة هو أن عبد الرحمن الشرقاوي كان يحتل مكانة سامقة في نفوسنا نابعة من إعجابنا بكتاباته وأشعاره الرائعة، خاصة رائعته "الأرض" التي صدرت في منتصف الخمسينات، والتي هي نموذج لمذهب الواقعية الاشتراكية في الأدب، وقد صورت الصراع الذي كان يمور في الريف المصري في ظل علاقات الإقطاع الذي كان سائداً قبل الثورة المصرية؛ وكذلك قصيدته الشهيرة "من أب مصري إلى الرئيس ترومان"، والتي تنبذ الحرب وتدعو إلى سيادة قيم السلام ؛ ومن أبياتها:
فإن تملك الذرة المفنية
فإنا لنمتلك التضحية
ونمتلك الذرة البانية
ونملك طاقاتنا كلها ونملك أيامنا الباقية
وتاريخ أجيالنا الآتية
قدر الصديق حجازي مدى الخذلان الذي أصابنا، مما جعلنا نعيش تناقضاً بين طربنا الذي لا يحد بالقصيدة، وبين رفضنا لأن تكون موجهة لعبد الرحمن الشرقاوي، أحد رموز الوطنية والتقدم والفكر المستنير . قلنا للصديق حجازي نحن نرى أن كليكما أبناء المركب الواحد، وكلاكما مخلص- وقد يكبو الجواد- رغم قول حجازي في القصيدة: "فرسي لا يكبو"! ؛ ونحن لا نريد لصورتكما أن تهتز.. وعلى الأقل لا نريد أن تروج وتنتشر قصة أن المخاطب في هذه القصيدة هو عبد الرحمن الشرقاوي، وذلك من أجله ومن أجلك، و "عشان خاطرنا" بالطريقة السودانية! فما هي تلك الخلفية المفجعة؟
تتلخص خلفية القصيدة في أنها جاءت دفاعاً من الشاعر الشاب حجازي عن الكاتب والناقد الكبير الدكتور محمد مندور، الذي كان قد تعرض إلى هجوم وتجريح من الأديب عبد الرحمن ألشرقاوي هذا كل ما عرفناه في حينها . وبعد 47 عاماً من تلك الأحداث ، وبمناسبة عيد ميلاد حجازي السبعين، إذا برجاء النقاش يورد التفاصيل الكاملة لما جرى بين الأدباء والنقاد حينها في مقال نشرته الأهرام، أورد جزءاً منه فيما يلي:
"لهذه القصيدة مناسبة، وقد تكون الذاكرة الأدبية قد نسيتها ، ولكن الذين عاصروا هذه المناسبة مثلي لا يمكنهم نسيانها أبدا، وقد جاءت قصيدة حجازي لتستخرج أعمق ما في هذه المناسبة وأصفي ما يستحق البقاء منها حيا مؤثرا في النفس والضمير رغم مرور الأيام.
المناسبة هي أن الناقد الكبير الرائد الدكتور محمد مندور قد كتب مقالا في جريدة الشعب التي كانت تصدر في ذلك الوقت ـ سنة1958 ـ بالقاهرة، وفي هذا المقال يوجه مندور نقدا إلي رواية طريق العودة للكاتب والأديب الكبير يوسف السباعي وكان السباعي أيامها أقوى أدباء مصر نفوذا وسلطانا واقترابا من رجال ثورة يوليو الذين كانوا هم الحاكمين بأمرهم وأصحاب الكلمة العليا في مصر في تلك الأيام.
وكنا جميعا، نحن شباب الأدب والصحافة في ذلك الوقت ، نخاف من يوسف السباعي ومن نفوذه الهائل ، ولذلك كان الذين يشتغلون بالنقد مثلي، لا يحاولون الاقتراب من أدب يوسف السباعي بخير أو بشر، فقد تفلت كلمة نقد هنا أو هناك فتطير فيها رءوس وتنغلق أبواب ويتعرض صاحب النقد للهلاك. أو هكذا كنا نظن، وربما كنا ظالمين ليوسف السباعي ، وكان في موقفنا بعض التجني عليه، ولكننا كنا نسمع ما يقال عن السباعي ، ونأخذه مأخذ الجد واليقين ، وهو أنه إذا صادق وأحب أعطي بغير حساب، وإذا خاصم وعادى فإنه لا يرحم .
نحن الشبان الصغار في ذلك الوقت آثرنا الغناء في العراء، بعيدا عن أهل النفوذ والسلطان ، وهربنا من سيف يوسف السباعي وذهبه ولكن مندور كان عملاقا أدبيا وثقافيا ،وكان صاحب شخصية وطنية يحسب لها الجميع ألف حساب .
فإذا كنا نحن نخاف من السباعي أو غيره ، فإن العملاق مندور لم يكن يخاف من أحد، فقد تخطى بتاريخه ومكانته الأدبية تلك المرحلة التي يخاف فيها بعض الناس من بعض الناس .
لذلك كله تجرأ مندور علي نقد رواية السباعي طريق العودة وكان موضوعها حرب فلسطين ، وكانت هذه الرواية هي أحدث روايات السباعي في ذلك الحين ، وقد قام مندور بطريقته النقدية الصريحة الواضحة بنقد الرواية والكشف عن سلبياتها الفنية والفكرية .
وكان مندور رجلا وديعا ،عف اللسان ، هامس الصوت ، لا يجرح أحدا ولا يخرج أبدا علي الذوق الرفيع في أي نقد له ضد أديب أو ضد عمل أدبي ، بل إن أسلوب مندور في النقد كان يوحي دائما بالتحضر والتهذيب والرقي والمجادلة بالحسنى حتى في أشد لحظات الاختلاف.
مندور ـ كناقد ـ لم يكن راضيا عن رواية طريق العودة ، وقد عبر عن ذلك بأسلوبه السهل البسيط البعيد كل البعد عن الإسفاف . وقد يكون مندور مصيبا في نقده أو لا يكون ، والرد علي هذا الرأي ممكن ، بل هو واجب إذا كان هناك من يتحمسون لرأي مخالف لرأي مندور .
ولكن الذي حدث كان شيئا غريبا جدا، فبعد أيام من نشر مندور، ظهر مقال في جريدة الشعب نفسها للأديب والشاعر الكبير عبد الرحمن الشرقاوي .
والشرقاوي صاحب قلم جبار، وهو من كبار النابغين في أدبنا المعاصر ، والشرقاوي يملك أيضا قدرة عجيبة علي الهجاء إذا أطلق لقلمه العنان ، ويمكن الرجوع إلي مسرحياته الشعرية الشهيرة مثل الفتي مهران وجميلة والحسين ، وفي هذه المسرحيات فإننا نستطيع الوقوف ـ بسهولة ـ أمام مقاطع فيها هجاء بالغ القسوة لبعض المواقف وبعض الشخصيات ، وهذا ما يؤكد صحة ما ذهبت إليه من أن الشرقاوي كان صاحب موهبة هجائية غير محدودة.
كتب الشرقاوي في مقاله تعليقا علي نقد مندور لرواية السباعي ، وإذا بالمقال يمتلئ بالتجريح لمندور وسبه وشتمه وإنذاره بسوء المصير !
ياللهول!
لقد اهتزت ضمائرنا وامتلأت قلوبنا حزنا مما قرأناه.
كيف يمكن أن تكون هذه القسوة لغة في الحوار؟ وكيف يحدث كل هذا التجني علي عملاق مثل مندور؟ وممن؟ من الشرقاوي الذي كنا ننظر إليه علي أنه من زعماء الأدب الوطني الجديد الذي يتعاطف مع مشاكل الناس الحقيقية ويجعل منها مادة للأدب الجميل والمسئول .
إنني أحب الشرقاوي ودراساته ورواياته وأشعاره ومسرحياته ، ولكنني عندما قرأت مقاله ضد مندور استنكرت هذه الطريقة التهديدية في الكتابة والحوار والتعامل غير الجميل بين الأدباء والمفكرين. وكنا أيامها نتحدث عن المكارثية في أمريكا ، وهي التي أرعبت الأدباء والفنانين ، وأدخلت بعضهم إلي السجون وأسكتت الكثيرين فلم يعودوا ينطقون, وخرج آخرون من أمريكا مطرودين ، ومنهم شارلي شابلن وبريخت وغيرهما من أعلام الفن والفكر في القرن العشرين .
وقد تألم مندور كثيرا من مقال الشرقاوي ، ولكنه ـ فيما أذكر ـ سكت عنه تعففا ولم يرد عليه. ولكن المسألة لم تعد مسألة رواية أو نقد لهذه الرواية، بل أصبحت مسألة تقوم علي إرهاب الأدباء والمفكرين وإشاعة الخوف بينهم وتهديدهم في حريتهم وكرامتهم وأمنهم وأرزاقهم جميعا .
كان مقال الشرقاوي مخيفا لنا جميعا، وقد قلنا عنه فيما بيننا إنه نوع من المكارثية وأطلق عليه بعضنا ـ من باب المزاح ـ اسم الشرقاوية علي وزن قريب من المكارثية، وقد اندهشنا جميعا من صدور هذا المقال عن كاتب كبير محبوب وموهوب وصاحب سمعة وطنية عالية مثل الشرقاوي.
هنا وقف حجازي الشاعر الصاعد الواعد ابن الثالثة والعشرين , والذي لم يكن يملك شيئا علي الإطلاق غير موهبته فكتب ما يصح أن نعتبره ميثاق شرف لكل الشعراء , وكل أصحاب الأفكار في كل العصور ، وذلك "في قصيدته الفريدة الرائعة "دفاع عن الكلمة".
حب مصر والتطلع لزيارتها:
انعكس حب مصر في قصائد الرواد من شعرائنا .. فقد أفاض محمد سعيد العباسي في ذلك الحب بشعر يتدفق ولعاً بمصر ووفاء لها وشوقاً لسنوات الصبا الزاهر التي عاشها فيها. . فلنتأمل في هذه الأبيات:
يا مرحباً قد حقّق اللهُ المنى
فعلَيَّ إذ بُلّغْتُها أن أشكرا
يا حبّذا وادٍ نزلتُ، وحبذا
إبداعُ من ذرأ الوجودَ ومنبرا
مِصْرٌ، وما مصرٌ سوى الشمسِ التي
بهرتْ بثاقب نورِها كلَّالورى
ولقد سعيتُ لها فكنتُ كأنما
أسعى لطيبةَ أو إلى أُم ِّالقُرى
وكان شاعرنا التيجاني يوسف بشير أيضاً عاشقاً لمصر مستهاماً بها (مستودع الثقافة)، وكانت زيارتها أمنيته الكبرى. وهذه الأبيات من قصيدته "أمل" (أملي في الزمان مصر) تعكس ذلك التعلق والشغف بزيارة مصر التي (تزداد بعداً عليه وعسرا):
أمل ميت على النفس ألحدتُ له مـن كلاءة الله قبرا
زهقت روحه وفاضت شعاعاً قبلما ينفذ الطفولة عـمرا
كنت أحيا على ندى من يساقط بــرداً على يدي وعطرا
في ظلال مطلولة أفرغ الشعر عليها من الهناءة فجرا
ثم أودى يا ويحه ضاقت الدنيا به جهدها احتمالا وصبرا
بعدما نضّر الحياة بعيني مضى جاهداً وأعقب أسرا
أملى في الزمان مصر فحيا الله مستودع الثقافة مصرا
نضر الله وجهها فهي مـا تزداد إلا بعد علي وعسرا
وفي قصيدته الرائعة " توتي في الصباح" والتي مطلعها (يا درة حفها النيل واحتواها البر)، نجد إشارته إلى أن جمال الطبيعة والحياة الوادعة في جزيرة توتي، والتي أفاض في وصفها بشاعريته المنسابة، يجعلها تشبه مصر التي في خياله:
يا أخت مصر وتفديك في المكاره مصر
حيا شبابك فيض من الرخاء ويسر
ومن بعد جيل العباسي والتيجاني يوسف بشير ظل التطلع لزيارة مصر هو حلم جيلنا نحن أيضاً ؛ ولقد عبر الشاعر تاج السر الحسن في رائعته "آسيا وإفريقيا" عن حب مصر، النبع الأدبي العذب والحديقة الثقافية الوريقة:
ملء روحي أنت يا أخت بلادي
كانت مصر تعني لنا الإشعاع الثقافي المنبعث من مكتباتها العامرة التي تضيق بها الأرفف، فتنداح إلى الفرندات والطرقات والأسوار - ومن بينها سور الأزبكية - حيث تعرض الكتب المستعملة المتلائمة مع جيوبنا الطلابية المحدودة! (مولت زيارتي لمصر بعد عمل شهرين من الإجازة الصيفية بشركة شل بمرتب شهري معتبر قدره عشرون جنيها!) ؛ كما تفيض الثقافة من مسارحها ومجلاتها وصحفها، ومن دار الأوبرا، ومن برنامج الصوت والضوء بالمقطم وبإهرامات الجيزة الذي تم تدشينه في بداية الستينات،والذي تكلم من خلاله أبو الهول بتكنولوجيا صوتية خاصة، حققت الخيال الشعري لأحمد شوقي الذي عبر عنه في قصيدته التي كتبها قبل عقود من ذلك الزمان بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال "أبو الهول" بمسرح حديقة الأزبكية، والتي مطلعها:
أبا الهول طالت عليك العصر وبلغت في الأرض أقصى العمر
إلى أن يقول فيها:
تحرك أبا الهول هذا الزمان تحرك ما فيه حتى الحجر.
كنا كذلك نرى أن زيارة مصر تسمح لنا بتنسم عبق التاريخ في أبو سمبل ووادي الملوك والجيزة والمقطم والقلعة والحسين والموسكي .. كما كنا نتطلع للذهاب لقهوة الفيشاوي - ملتقى الأدباء والكتاب - علنا نلتقي فيها بنجيب محفوظ أو توفيق الحكيم، ونتعرف على الشخصيات التي أبدعوا في تصويرها في رواياتهم وجعلوها تنبض بالحياة.
كانت أيضاً تتملكنا رغبة عظيمة في مشاهدة أماكن تاريخية علقت في ذاكرتنا من أحاديث الجيل الذي سبقنا عندما كانوا طلاباً بمصر، ومستغرقين في معارك الكفاح المشترك مع الشعب المصري.. ومن قصيدة تاج السر الحسن أيضاً، الحافلة بصور نضال شعوب آسيا وإفريقيا :
سوف نجتث من الوادي الأعادي
فلقد مدت لنا الأيدي الصديقة
كنا نريد أن نشاهد كبري عباس الذي تمت فيه محاصرة طلاب جامعة الملك فؤاد وهم يهتفون ضد اتفاقية صدقي بيفن .. بل وكنا نطمح في زيارة حارة شاعرنا جيلي عبد الرحمن المغمورة في حي عابدين! :
"حارتنا مغمورة في حي عابدين"
وللمفارقة، فإن حي عابدين به القصر الملكي ! .. ويتولد لدينا مزاج خاص في شرب فنجان شاي بمقهى " ريش "، والذي ورد في قصيدة الشاعر أحمد فؤاد نجم التي سخر فيها من ادعاءات بعض المثقفين الذين يقنعون بالاسترخاء والحكي في المقاهي:
يعيش أهل بلدي وغيرهم مافيش
يعيش المثقف على مقهى ريش!
وفي سنوات لاحقة أقام لنا العم عبده دهب مقهى خاصاً بمثقفينا باسم "ريش" في الخرطوم! وهو المقهى في المحطة الوسطى الذي كان يحمل اسم "خباز" سابقا.. وربما لم يسمع الكثيرون من شباب اليوم عن "خباز" و "شناكة" !
*******